مجمع البحوث الاسلامية

607

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وأمّا بناء على مدرسة وحدة الوجود عند من يعتقد بها ، فكلّها من اللّه مباشرة ، ومن مظاهر ذاته ومراتب وجوده من دون واسطة ، لاحظ « الأسفار الأربعة » لصدر المتألّهين بحث العلّة والمعلول . 2 - كلّ من التّحبيب والمحبّة مستقرّة القلوب ، إلّا أنّ التّحبيب قراره أوّلا القلوب ، والمحبّة قرارها أوّلا العيون النّاظرة إلى جمال المحبوب ، ومنه تتطرّق إلى القلوب ، كما سنرى في النّصوص . 3 - قالوا في الآية ( 43 ) : « يا موسى كلّ من رآك أحبّك حتّى أحبّك فرعون وزوجته آسية » ، « جعلت لك محبّة منّي في صدور النّاس كما يقال : ألقيت عليك رحمتي » ، « كلّما رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك لبّه في محبّته » ، « أعطاه جمالا يحبّه كلّ من رآه ، أو أعطاه ملاحة العينين » ، « كونه بحيث يحبّه كلّ من يراه ، كأنّ المحبّة الإلهيّة استقرّت عليه ، فلا يقع عليه نظر ناظر إلّا تعلّقت المحبّة بقلبه وجذبته إلى موسى ، ففي الكلام استعارة تخييليّة » ، « كانت في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد إلّا عشقه » ، « حبّب إلى كلّ من رآه » ، « روي أنّه كانت على وجهه مسحة جمال ، وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه » . 4 - هل هذه المحبّة هي محبّة النّاس له كما سبق ، أو محبّة اللّه إيّاه كما قالوا : « أظهرت عليك محبّتي لك وهي نعمة عليك » . قال الزّمخشريّ في ( منّي ) : إمّا متعلّق ب ( ألقيت ) أي إنّي أحببتك ومن أحبّه اللّه أحبّته القلوب . وإمّا متعلّق بمحذوف هو صفة ل ( محبّة ) أي محبّة حاصلة أو واقعة منّي قد ركّزتها أنا في القلوب ، وزرعتها فيها ، ولذلك أحبّك فرعون وكلّ من أبصرك » . وقد حكى الفخر الرّازيّ عن القاضي : أنّ الوجه الأوّل أقرب ، لأنّه في حال صغره لا يكاد يوصف بمحبّة اللّه إيّاه الّتي كانت من جهة الدّين حسب الظّاهر ، لأنّ ذلك يخصّ المكلّف لاستحقاقه الثّواب ، بل إنّه في الخلقة كان بحيث يستحلى ويغتبط . ثمّ احتمل رجحان الثّاني ، لأنّ الأوّل يحتاج إلى إضمار وهو : « ألقيت عليك محبّة حاصلة منّي وواقعة بتخليقي » وعلى الأوّل لا حاجة إلى هذا التّقدير . ثمّ نقد قوله : « إنّه في حال صباه لا تحصل له محبّة اللّه » بأنّ معنى محبّة اللّه يرجع إلى إيصال النّفع إلى عباده ، وهذا حاصل له حال صباه ، وعلم اللّه أنّ ذلك يستمرّ إلى آخر عمره . وعندنا أنّ سياق الآيات : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى * إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي طه : 37 - 39 ، هو إلقاء اللّه حبّ موسى من قبله وبلطف منه ، ومنّة منه إليه في قلب فرعون وزوجته ، فإنّ محبّتهما إيّاه بعثتهما على تكفّلهما إيّاه وإيوائه ، وصنعهما له ، كما قال : وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي لا محبّة اللّه إيّاه ، وإن كانت محبّته شاملة له ولسائر أنبيائه ، ولكن ليست لها موضع في هذه القصّة . وكذلك سياق : وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ القصص : 9 ، هو محبّة امرأة فرعون له حتّى